أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

158

شرح مقامات الحريري

لي ، فقلت : بما أنفقت في طريق مكة ؟ فقالت : أما النفقات فرجعت أجورها إلى أربابها ، وغفر لي بنيّتي . [ بوران بنت الحسن بن سهل وامرأة بالمأمون ] وأما بوران فهي خديجة بنت الحسن بن الحسن بن سهل ، تزوّجها المأمون على يد إسحاق الموصليّ ، وفي هذا التزويج قصّة الزّبيل وهي طويلة ظريفة ، نذكرها على جهة الاختصار ، حدّث إسحاق الموصليّ قال : بينا أنا ذات يوم عند المأمون ، وقد خلا وجهه ، وطابت نفسه ، فقال : يا إسحاق ، هذا يوم خلوة وطيب ، فقلت : طيب اللّه عيش أمير المؤمنين ، وأدام سروره وفرحه . فأخذ بيدي ، وأدخلني في مجالس غير التي كنّا فيها ، فأخذنا من لذاتنا وشرابنا حتى غربت الشمس ، فقال : قد عزمت على دخلة إلى دار الحرم ، فلا ترم حتى آتيك ، فنهض وبقيت إلى عامة الليل ، وكان المأمون أشغف خلق اللّه بالنساء ، وأشدّهم ميلا إليهنّ ، فقلت في نفسي : هو في لذة وأنا في غير شيء ، وتذكرت صبيّة اشتريتها ، وكنت عزمت على افتضاضها فنهضت إلى الباب ، فقال الحاجب : أين تريد ؟ فقلت : الانصراف ، قال فإن طلبك ، قلت هو من لذة السرور في شغل عن طلبي ، فقيل لي : إن غلمانك استبطئوك وانصرفوا . فجيء بدابة ، فركبتها ومشيت ، فأحسست بالبول ، فعمدت إلى زقاق لأبول ، فبلت وقمت لأتمسح بالحيطان إذا أنا بشيء معلّق من تلك الدور ، فنهضت فإذا بزبيل « 1 » كبير بأربع آذان ، ملبس ديباجا ، فقلت : إنّ لهذا سببا ، وبقيت أتروّى في أمره ، ثم قلت : واللّه لأجلسنّ فيه كائنا ما كان ، فجلست ، فلمّا أحسّ بي الذين يرقبونه ، جذبوه إلى رأس الحائط ، فإذا أربع جوار يقلن لي : انزل بالرّحب والسعة ، فمشت بين يديّ جارية بشمعة ، حتى نزلت إلى دار نظيفة إلى مجالس مفروشة ، لم أر مثلها إلّا في دار ملك ، فجلست فما شعرت إلّا بعد ساعة ، حتى أزيلت ستور كانت في ناحية الدار ، وإذا وصائف يتماشين ، في أيديهنّ الشمع ، وبعضهنّ بمجامر يحرق فيها العود ، وبينهنّ جارية تتهادى كأنّها البدر الطالع ، فنهضت قائما ، فقالت : مرحبا بك من زائر ! وجلست . ثم استطردت إلى سؤالي أبدع استطراد ، فقلت : انصرفت من عند بعض إخواني ، وغرني الوقت ، وحرّكني البول ، فعدلت إلى هذا الزقاق ، فوجدت زبيلا معلّقا ، فحملني النبيذ أن جلست فيه ، فإن كان خطأ فالنبيذ أكسبنيه ، قالت : لا ضير ، أرجو أن تحمد عاقبة أمرك ، قالت : فما صناعتك ؟ قلت : بزّاز من بغداد ، قالت : فهل رويت من الأشعار شيئا ؟ قلت : شيئا ضعيفا ، قالت : فذاكرنا ، قلت : إن للداخل حشمة ولكن تبدءين ، قالت : صدقت ، فأنشدتني لجماعة من القدماء والمحدثين من أجود أقاويلهم ، وأنا مستمع لا أدري ممّ

--> ( 1 ) الزبيل : وعاء أو قفة .